السيد ثامر العميدي

52

حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني

ومع كلّ هذا لم يعدم الوجود الشيعي في الريّ ، وإنّما كان هناك بعض الشيعة من الرازيين الذين اعتنقوا التشيّع تأثّراً بمبادئه وواقعيّته التي عرفوها من خلال احتكاكهم بالشيعة في مواسم الحج أو التجارة وغيرها ، وساعدهم على ذلك وجود بعض الموالي الشيعة من الفرس في الكوفة في زمان أمير المؤمنين عليه السلام ، هذا فضلًا عمّن سكن الريّ من شيعة العراق ، ومن استوطنها من أبناء وأحفاد أهل البيت عليهم السلام الذين جاءوها هرباً من تعسّف السلطات المتعاقبة في زمان دولة الطلقاء والعبّاسيين من بعد . ويظهر من خلال بعض النصوص أنّ الشيعة من عرب وفرس في الريّ كانوا في تقيّة تامّة ، إذ لم يحدّثنا تاريخ الريّ في العصر الأموي عن أيّة مظاهر شيعية ، أو مناظرات فكرية بين الشيعة وغيرهم في تلك البلاد إبّان الحكم الأموي ، بخلاف ما حصل بعد نهايتهم . وممّا يدلّ على ضمور الفكر الشيعي في الريّ بتكتّم أصحابه وتقيّتهم للنجاة بأنفسهم في تلك الفترة ، ما قاله الإمام الرضا عليه السلام ، قال : « سمعت أبي يقول : كنت عند أبي يوماً فأتاه رجل ، فقال : إنّي رجل من أهل الريّ ولي زكاة فإلى من أدفعها ؟ قال : إلينا ، فقال : أليس الصدقة محرّمة عليكم ؟ فقال : بلى إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها إلينا ، فقال : إنّي لا أعرف لها أحداً ، فقال : انتظر بها إلى سنة ، قال : فإن لم أصب بها أحداً ، قال : انظر بها سنتين . حتى بلغ أربع سنين ، ثمّ قال له : إن لم تصب لها أحداً فصرها صراراً واطرحها في البحر ؛ فإن اللَّه عزّ وجل حرّم أموالنا وأموال شيعتنا على عدوّنا » « 1 » . وهذا الخبر صريح بعدم معرفة هذا الرجل الرازي لأحد من الشيعة المستحقّين للزكاة من أهل الريّ ، ولا يعقل ثراء جميع شيعة الريّ وهم يخافون أن يتخطّفهم الطير . وفي كتاب قضاء الحقوق لأبي علي بن طاهر الصوري خبرٌ طويل نقله العلّامة النوري يشير بكلّ وضوح إلى امتداد العمل بالتقيّة إلى زمان بني العبّاس بين شيعة

--> ( 1 ) . تهذيب الأحكام : ج 4 ص 52 ح 139 ( 10 ) باب 13 .